المقدمة
تحفل التجربة الشعرية للشاعر علي الحسني بحضور فني وبنائي متميز، ومن خلال تتبعي لمنجزه الشعري، وجدته شاعراً متمكناً من أدواته الفنية على مستوى البناء والأسلوب والتركيب، وعلى مستوى اللغة والصورة الشعرية بالإضافة لتقنيات الشعر الحديث، فهو يمتلك تجربة شعرية ثرية مثرية جديرة بالقراءة والمتابعة، وفي هذا الديوان نجد أن تيمة الحب هي التيمة الجمالية الأساسية التي تنبثق منها رؤاه وتتفجر ينابيع مشاعره الجياشة وأحاسيسه المتدفقة، ابتدأ من عنوان الديوان (الأرض أنثى لا تنجب إلا إذا أمطرت بالحب)، إذ نجده دلالة واضحة على انبثاق هذه الرؤية على الموضوع العام للديوان، حيث تشكل الأنثى في خطابه الشعري بنية رئيسة ودلالات مرجعية تنبثق منها وتعود إليها أغلب نصوصه ورؤاه، وكما نلاحظ تآزر عناوين النصوص مع الرؤية والرؤيا المراد إيصالها والتعبير عنها، فعلى مستوى لغته الشعرية، نجده يطل علينا من شرفات سماء اللغة بعذوبة اللفظ المتكئ بدلالته على المعنى الانفعالي والترادف والتضاد والإيحاء والخيال والجرس والإيقاع، ليعبر عن مدى قدرته ووعيه في توظيف اللغة وتفجير طاقتها الدلالية بإيحاءات جديدة وتراكيب فريدة في بنائه للمشهد الشعري، فهو يمتلك قاموساً لغوياً زاخراً ينهله من ثقافة فكرية ومعرفية رحبة، لذا نجد أن مغلب مفرداته تميل للفصحى، فلنتمعن في هذه اللغة العذبة المنهمرة البعيدة عن التقريرية والمباشرة وبصورة ذوقية “اشربك” “تروين” في قوله:
واستقبلك غيمة مطر واشربك من قبل اجمعك |
اخاف تسبقني كفوفي لك وتروين الثرى |
فنجد أن لغة الشاعر علي الحسني شفافة تنحرف بالسرد الشعري عن تصوراته الواقعية المباشرة نحو أفق إبداعي بتخيّل بارع فارع، ضمن فضائه الثقافي والاستنباطي لتوصيل الحالة النفسية والذاتية التي تدور في عالمه السرمدي الخاص.
كما نجد أن لغته تتوحد مع ذاته/ الأنا، بكل آلامها وأحلامها حيث تصبح ثيمة تتمحور حوله القصيدة في بوتقة الزمن الشعري يقول ذات شجن:
تعبت ابحث وافتش عن خفايا الذات في ذاتي |
وذاتي عني تدور وتبحث في ثنايا الوقت |
إلى أن يقول:
واذا الصبح ابتسم فرقت جمله من معاناتي |
ولكن ليلي الظالم يجمع كل ما فرقت |
أنا في داخلي شاعر هجاني باقبح انعاتي |
تمرد وانبرا واطلق عنانه منه يا ما ذقت |
وكثيرا ما يلجأ الشاعر علي الحسني للطبيعة كمعادل موضوعي لذاته وكتفريغ حسـي ونفسـي من جهة أخرى، وبلغة متدفقة منسجمة في ألفاظها ودلالاتها يقول ذات شجن:
عليك الله يا الليل الكئيب المظلم الحالك |
تخليني انامك دام شمسـي فيك ما اواجه |
ففي البيت السابق شخص الليل جاعلاً من جدلية النور والعتمة صورة مشرقة مندلقة بتداعيات ودلالات إيحائية كمعادل موضوعي لذاته الوجدانية.
كما نجد أن اللغة في نصوص الشاعر علي الحسني تميزت بالشفافية والوضوح، ومكتنزة بطاقة تعبيرية بما تحمله من حرارة وجدانية وحيوية وإيحائية، حيث يبتعد بها عن مدارات التعقيد، وعن لغة الغموض والسقوط في وحل الرمز ألا مبرر له:
ما ودي آقول لك مشتاق واكذب عليك |
آقول عشتك وطن واصبحت مالي وطن |
استطاع الشاعر علي الحسني أن يحول الوعي الشعري والإبداعي إلى قيمة وجودية حيث الإحساس المتنامي بالعالم الداخلي والخارجي، وامتزاج الذات مع فضائها الرحب في تحليق فني رائع ونشوة إبداعية جميلة، مما يجعل لغته منفتحة على أفق المعنى بتقنية إيحائية مقنعة، فلنتمعن في قوله:
تشرب في عروقي مثل عشق الأرض للفلاح |
تمازج مع ثراها وانزرع في ر يفها طيبه |
فأتت نصوصه توافق صيرورة الشعر وتقف داخل سياقاته التركيبية والنفسية والتخيلية والرؤية للعالم، من خلال الانزياح والانحراف اللغوي إذ نجد النص عنده محلق في فضاءات ذاته ومتألق في صباحات وجدانه من خلال انفعالاته وانثيالاته الذاتية فلنتمعن هذه اللغة الجميلة والصور الإيحائية التي جعل من الزمان تواجد يرسم من خلاله أبعاد الدلالات:
من علم الصبح يفضح سر نفنوفك |
||
من علمه يبري اقواسه على اقواسك |
||
من علم الليل يترامى على كتوفك |
||
من علمه يجمع الغاوي مع الناسك |
كما أن الصورة الشعرية لها حضور رئيس في تجربة الشاعر علي الحسني فنجد نصوصه مكتنزة بالصور الشعرية الكلية والجزئية، حيث تتجلى تلك الصور لتكشف لنا عن بنيتها الدلالية المنبثقة من ذاته الفاعلة التي يعبر بها من المفهوم الحسي إلى المجرد ومن الوعي إلى اللاوعي، متميزا في تحويل المشاهد اليومية المألوفة إلى لوحات شعرية باذخة فهي تتميز ببناء وتركيبه من خلال تلك الصور المكتنزة بالإيحاءات الجديدة والأخيلة المبتكرة، التي تعبر عن مدى عمقها ودقتها في نقل الرؤية والرؤيا، مبتعداً كل البعد عن الغموض الدلالي والرمزي المقفل كما في هذه الأبيات التي نجدها صوراً شعرية تراوحت بين الحسية والذهنية:
يكفي جفاف الصمت صدري ضاق بالصمت المميت |
خليني اغرق فالغرق فيه النجاة من الممات |
ولنتمعن أيضا في قوله:
يا عازف الناي لا يحزنك مـوت الشجـر |
ما دمت في كل ليله تزفـر الهـم نـاي |
كما نجد أن جدلية الحضور والغياب لها حضور طاغي في عالمه الشعري فأتى هذا النص التراجيدي ليلامس الذات المتيمة بصورة الحزن مشخص “الحزن” في مشهد شعري متحرك:
في غيبتك كني للأحزان سلطـان |
|
وكن السعادة شعبي اللي عصانـي |
|
أحزان اودعهـا وتلفينـي احـزان |
|
لا راح وفد ن زارنـي وفـد ثانـي |
كما نجد أن الشاعر علي الحسني يضج شعره بالحنين وملتهب بغربة الذات لا غربة الجسد، غربة يشكل في أبعادها رؤاه داخل أروقة نفسه وأغوار روحه فنتأمل في هذه الصورة الملونة التي يحكي من خلالها عن أحساس داخلي عميق من أثر عالمه الخارجي:
وشلون باقي عايش اتنفس وسط زحمة صدور |
سوادها احلك من سواد الليل والصبح احتجب |
فجعل ” الطبيعة والزمكانية “ثيمة تنطلق منها الرؤيا الداخلية لنصوصه، والتي يعكس ما في ذاته الشعرية من أحاسيس ومشاعر مثل قوله في هذا البيت الذي قام بتحويل المفاهيم التجريدية إلى صور حسية و مشخصا المكان من حالة الجمود إلى حالة الحركة:
شموخ هذا الطود يوم اني على الغيم استويت |
علمني إن الرمل لو حاكاه ما يقوى الثبات |
وكذلك في هذه الصورة الحسية التي جعلها معادلا موضوعيا للآخر:
والبرد يحرقني وادوّر في ثنايا الليل ليل |
في حضنه الصبح ودفاي اشراق حسنه يشعله |
فنتأمل في “البرد يحرقني” “ثنايا الليل ليل” “في حضنه الصبح” “اشراق حسنه” صور حسية وذهنية جعل من الطبيعة رؤاه التي يتكئ عليها في رسم الدلالة في الصور السابقة. كذلك هذه الصورة الشعرية التي استقاها من الطبيعة من حوله:
حبيبتي والخريف اقبل يحـتّ الـورق |
كن الشجر شبت اغصانه لهايب حريق |
شوفيه منثور في كل الطرق مـا لحـق |
يلم بعضه عن اللي يعبرون الطريـق |
ونجد في الصورة التجريدية التالية كيف ترتفع الأنا الساردة بكل آلامها وأحلامها بأبعاد دلالية في غاية العمق والدقة:
طوّل بي المسرى أجوب الليل سابح فوق خيل |
تقدح حوافرها شرر يضوي الدروب المهملة |
صديقي الحزن السخي يوم اختفى السعد البخيل |
كم لوحت فرحه تغازلني وهي مستعجله |
إلى ان يقول:
أستمطر الغيمة رجا والهمّ في صدري يخيل |
والياس في عيني تقاومه الدموع المرسلة |
رغم ان عزمي ما انثنى يرضيني الشـي القليل |
ما يجني الإنسان شيء الا وهو مكتوب له |
لكن مازال الأمل مسـرج ولا يعرف مقيل |
وشهوله اقيده في زحمة جموح الأسئلة |